أحمد بن علي الرازي
231
شرح بدء الأمالي
21 - [ باب الجنة والنار لا يفنيان ولا يبيدان ] وما يفنى الجحيم ولا الجنان * ولا أهلوهما أهل انتقال واعلم أن الجنة والنار لا يفنيان أبدا ، ولا تبيدان ، وأهلوهما أيضا لا يفنون ولا يبيدون ، ولا يموت حور العين ، فمحال أن يكون في الجنة مقبرة . وقال النجارية والجهمية ، والقدرية ، والمعتزلة : إنهما يفنيان ويموت أهلهما إلا أن المعتزلة لا يصرحون بذلك ؛ لأنهم يجعلون الثواب بإزاء الأعمال الصالحة ، والعقاب بإزاء الكفر والمعاصي « 1 » . والأعمال متناهية فكذلك ثوابها وعقابها ونحن نرد عليهم بقوله تعالى : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ . أي مقطوع ، وقال : في نعيم لا مقطوعة ولا ممنوعة . فإنما الفناء والذل في دار الدنيا وأما دار العقبى وأهلها فلا . فإن قال : القول ببقاء الجنة والنار على الأيدي [ 150 ] يؤدى إلى الشركة في بقاء الله تعالى ، قال الله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] . قلنا : هذا من ترهاتكم وهرشاتكم ؛ لأنهما لو لم تكونا فكانتا بتكوين الله تعالى ،
--> ( 1 ) قلت : المعتزلة يجعلون الثواب بإزاء الأعمال الصالحة ، والعقاب بإزاء الكفر والمعاصي على أنهما علة للثواب والعقاب لا سببا لهما ، وأهل السنة يقولون : إنهما سببا لا علة . والفرق بين السبب والعلة هو العموم والخصوص ، فكل علة سبب وليس العكس ؛ لأن العلة سبب يدرك العقل بوضوح تبريرا له ، أما السبب فلا ؛ لذا قال أهل السنة : إن الثواب فضل من الله ، والعقاب عدل من الله ، على أنه لا يعاقب أحد ولا يثاب أحد إلا بعد حصول السبب . أما المعتزلة فيقولون : إن الثواب سببه الطاعة ، والعقاب سببه المعصية ؛ ذلك أن السبب عندهم علة . قال الإمام الزركشي : وهو يفرق بين العلة والسبب : « والفرق بينهما أن العلة موجبة لمعلولها ، بخلاف السبب لمسببه فهو للأمارة عليها ، ومن هنا اختلف أهل السنة والمعتزلة في أن الأعمال طاعة ومعصية هل هي علة للجزاء ثوابا وعقابا ، أو سبب ؟ . فقالت المعتزلة بالأول وأهل السنة بالثاني أ . ه . المداخل الأصولية للاستنباط من السنة النبوية وتشنيف المسامع بجمع الجوامع للسبكي تأليف الزركشي : ( 1 / 508 ) .